المحقق البحراني

277

الكشكول

أصحابه : نعم ما رأيت ، فأمر الغلمان الجهاز وهيأ فركب السفر هو والغلمان والوزراء والعلماء والطباخون والخبّازون والدواب والبازات والصقور والكلاب وغير ذلك مما يريده ويشتهيه من الملاهي والشراب ومر في البحر يتصيد ويتلذذ حتى صار مسيرة شهر فأرسل اللّه على سفينته ريحا فضربتها وساقتها إلى جبل العنقاء والجارية مسيرة خمسمائة سنة ثم ركدت السفينة بإذن اللّه تعالى فأصبح الغلام فرأى سفينة راكدة فشال رأسه فإذا هو بجبل شاهق في ناحية البحر في لون الزعفران وطوله لا يدرى ولا عرضه ، فإذا هو بشجرة خضراء ملتفة كثيرة الأغصان والورق ليس لها ثمر ولا نوى بيضاء الساق ، فقال : إني أرى عجبا جبلا شاهقا وشجرة حسناء فحرك سفينته ونادى بأن قربوها إلى هذا الجبل فجاذبوها فسمعت الجارية التي في عش العنقاء صوت الماء وصوت الآدميين ولم تكن سمعت قبل ذلك فأخرجت رأسها من عشها فرأى الغلام صورتها في الماء فتعجب من جمالها وكثرة شعرها وذوائبها ، فرفع رأسه وبادر إلى الشجرة فإذا هو بالجارية مطلعة عليه ، فناداها : من أنت ؟ فألهمها اللّه لغته فقالت : أنا بنت العنقاء فقالت تغدو إلى ملكها سليمان فتسلم عليه وتقيم عنده إلى الليل ثم تجيء إلي وإنه لملك عظيم على ما تصف لي أمي العنقاء فخاف الغلام وقال : عرفته وهو الذي قتل أبي وأمي وأنا لمن طلقائه وأنا ممن يؤدي إليه الخراج ورسله الطير والرياح ، ثم بكى الغلام ساعة فقالت له : وما يبكيك ؟ قال : على وحدتك في مثل هذا الموضع وأمثالك على وجه الأرض من المدر والحجر كلهم في النعم والتلذذ والأزواج أرأيت إن هاجت الريح وأزعجتك من وكرك ووقعت في البحر فمن ذا الذي يخرجك ؟ ففزعت الجارية وقالت : فكيف لي بأن تكون معي وتحفظني عما ذكرت ؟ فقال : إن اللّه الذي اتخذ سليمان نبيا يرحمك وساقني إليك لأكون لك وليفا وصاحبا وإني من أولاد الملوك فقالت الجارية : كيف تصير إلي وهذه تروح إلى عند ملكها سليمان وتجيء ؟ فقال الغلام : أكثري من بكاك وجزعك على وحدتك ووحشتك في نهارك فانظري ما ذا تقول فأخبريني . فجاءت العنقاء فوجدت الجارية باكية حزينة فقالت لها : ما بالك تبكين ؟ فقالت : من الوحشة في نهاري . فقالت : لا تحزني فأنا أستأذن من سليمان أنا آتيه يوما بعد يوم فأكون معك فلما أصبحت أخبرت الغلام بجوابها فقال الغلام : إني أريد أن أنحر فرسا وأبقر بطنها وأخرج جميع ما فيها وألفيه على مؤخر السفينة وأدخل أنا في جوفها ، فإذا جاءت العنقاء قولي لها احملي هذا الشيء الذي هو ملقى على مؤخر السفينة إلي فاستأنس به ولا تلبثي عندي نهارا لأن مجيئك بأخبار